هل علامات عهر سياسي و تخنث ثقافي؟"الرسالة من عنوانها تقرأ"

خميس, 03/16/2017 - 17:37

مهما تظاهر سياسيونا بالحنكة و ضبط الأمور و المتعلمون فينا بالجدارة و قوة الأداء و مواطنونا بمسايرة حركة التحضر العارمة بمفرزاتها المذهلة، فإن الحقيقة المؤلمة الصارخة تفند كل ذلك بشواهد واقع التخلف البنيوي في البنى التحتية و ضعف وسائل النهضة، و تراكمات الإحباط السياسي على خلفية الخلافات الذاتية، و جمود الوعي الفكري و الانكسار الثقافي المقيدان بأغلال التراخي الذهني عن كل نبوغ و عطاء و إرادة انتصاب و تميز.

و تظهر حصيلةُ المسار السياسي العام للبلد منذ بدأ مع الجيل الأول في الأربعينات من القرن الماضي بتحضير و توجيه و ترتيب و تأطير من المستعمر الفرنسي، و استمر مع  الاستقلال الذي فرض قادة الدولة الجدد وعقب الإعلان عنه حكم الحزب الواحد نَغَّصت مسارَه حركاتٌ ولجت معتركَ السياسة من منطلق خلفيات أيديولوجية متعددة اشتد عنفوانها في الستينات؛ تُبين هذه الحصيلة إذن بعد هذه المدة التي تناهز في مجملها إن لم تزد الثمانين عاما، عن تراكم شحيح لا يسنده فكر مُقيد و مُثبت بالتأليف و التوثيق و التدوين و الشهادات التي تزكي من لدن معاصريها في خارج البلد بالأثر المادي و الشواهد الدالة برمزيتها كالمتاحف و المسارات التي تُتّبع على خرائط تمجيدية لها في الذاكرة متسع خلود كـخطاب تأميم قنال السويس  في مصر مع (جمال عبد الناصر) و (مسيرة الملح) في الهند مع (الماهاتما غاندي) و (المسيرة الطويلة) في الصين مع (ماو اتستونغ) و هزيمة الأمريكيين مع سقوط "سايغونSaigon " مع (هو شي منه) و خطاب آكرا مع (انكروماه) و "لا" لفرنسا De Gaulle  التي أطلقها (سيكو توري) في غينيا و غيرهم مع زعماء وطنيين مخلصين مناضلين سخروا حياتهم الفانية للخلود في صفحات تاريخ بلدانهم.

و لأنه من أشد أنواع العهر مطلقا هو ذاك المتعلق بالسياسة، فإن ممارسته بدأت عند أول وهلة لدخول السياسة في الممارسات الاعتبارية و الخيارات التشاورية و التقاسمية الجديدة و تعاطيها على النحو الحديث المشمول بالمساطر المستقدمة، فركب سياسيونا كل التيارات والموجات وبحثوا عن التكسب بشتى أشكاله وأنواعه. و إذ لم يخجلوا من رفع راياتهم الحمر فقد محوا بكل جرأة من قاموسهم كلمات الشرف و النزاهة و العيب و الفضيحة حتى قتلوا كل نزعة وطنية، تحاول النهوض أو الارتقاء والبناء ليعمل إنسانها على تطوير نفسه، والاعتماد على ذاته بالكفاح و الإبداع والإنجاز بالكدّ والعرق داخل حيز الوطن المنكوب. إنهم على طول الخريطة السياسية يتكلمون في المولاة و المعارضة بدون ضوابط، لا تحكمهم درجات بعض خجل أو ذوق و لا يبرهنون على إنجاز في واقع الحال.

و مهما تظاهرت النخب بصلابة العود و ادعت جزلة العطاء فعن علامات و ملامح التخنث الثقافي لا تسأل و عن مرابطه لا تبحث كثيرا و بعيدا، فكما يقال "الرسالة من عنوانها تقرأ". صمت رهيب مطبق فـ:

-         لا مدارس تعليمية تقدم تعليما رصينا يصنع و يهيئ الأجيال لحمل رسالة الغد؛

-         لا إسهامات من جامعات خرساء تعجز عن أن تذهل بمخرج جديد، بل إنها ترهق بمج و تكرار ذات الرسائل "الميتة" حتى و إن سلمت من إثارة حساسيات تنتمي لسفر الزمن القديم الحاضر؛

-         لامقاربات في علم الاجتماع لساكنة مضطربة السلوك بدوية العقلية عاجزة عن استيعاب المدنية و ولوج فضاء التحضر؛

-         لا مهندسين أكفاء يحملون هم البناء الوطني على أكتافهم عموديا و بسواعدهم و نتاج خبراتهم أفقيا؛

-         لا أطباء يوفرون أموال نزيف اغتراب المواطنين للاستشفاء في الخارج (السنغال، تونس، المغرب، فرنسا)؛

-         لا حراك تأليفي تنويري توجيهي يصنع ملامح أفق يشع بالأمل ة يملأ فراغ المكتبات الوهمية؛

-         لا رجال أعمال يرون النجاح في تشييد المصانع و بناء الصروح التكنولوجية و المخابر التحليلية و تكوين و تشغيل المواطنين و السعي إلى الاكتفاء الذاتي و التنافس مع الخارج.

ساحة فكرية ناطقة بخوائها و نكد أهلها، فضاء ثقافي تعمره نفحات ضعيفة من أنفاس ثقافة الخارج تساق كئيبة خائرة إلى رحاب بعض المراكز النشيطة لتتبخر بأسرع مما تأتي.

و أما أغلب المثقفين و أصحاب الشهادات العالية فلا يكادون يكفون عن مغازلة "الرخاء" و هم لأجل ذلك يعتمرون دوائر "أهل النفوذ و القوة و المال"، يسندون عليهم ظهورهم و يكلون مصائرهم، فيضعون في خدمتهم كل خطابة يملكون أو يستطيعون بما و مما تعلموا من الكلمة المنمقة الحاملة مقاصد المدح و التبجيل و الطلاء على عفن المسار و محطات إتيان البوائق من نهب و سوء تسيير و ممارسات ظالمة في حق البلد و مواطنيه.. تنظيف غير شرعي.. و لا عجب أن يروا و هم يُفصلون عن عوالم عطائهم التي حَصلوا لها من العِلم مُدرك عَطائهم و لُب رسالتهم إلى وظائفَ ليس لهم فيها فيتعلمون على كواهلها و في مسالك دروبها خزيَ النهب و يَنسُوا المهمةَ النبيلة و جهدَها الكبير و ليأخذهم الاسترخاء و قتل الوقت و شبع البطون و ارتوائها إلى السلبية و الطلاق من قيم العلم و آدابه و النخوة و العفة التي يغرسها و البعد كل البعد عن رجز الصمت و خسة التغاضي.

و ما بين العهر السياسي المدمر لأساسيات بناء صرح الدولة و المُطْلِق العنان للسفاح الشامل تمارسه الأحزاب التي تظهر متى تشاء و كيفما تشاء، و المنظمات الغير حكومية و الحقوقية الغير ملتزمة في دائرة مجتمع مدني بالاسم و العنوان لكنه الفوضوي المدمر في الواقع؛ و ما بين الاثنين تختنق الدولة التي نشأت من تراب فوضى "السيبة" القاسية لتعود إلى ترابها.. لكن هذه المرة بتأشيرة اللاعودة... إن لم تبرز نُخبتان سياسة و فكرية تنتشلان البلد من السقوط إلى الهاوية بأن تسلكا نهج دول المعجزات في أحلك أوقاتها كاليابان في انتصارها على آثار (هيرو شيما و ناغازاكي) و الصين بـ(سياسة المكيالين) و روندا (الاستثناء الوسط إفريقي في بؤرة الحروب) و ماليزيا (العملاق المسلم) و غير هذه الدول كثير سطر ملحمة التحول.