التلفزة الموريتانية: حينما يحاصرك الظلم

أربعاء, 21/12/2016 - 14:20

 التحقت بقناة الموريتانية بعد نجاحي في المسابقة التي أجرتها التلفزة  سنة 2014.

 كان حلما يراودني مند زمن بعيد. أن تجد منبرا إعلاميا تقدم من خلاله رسالة مجتمعية، تترك لك في قلوب الناس مكانا خاصا، وتضع من خلالها لبنة في بناء الوطن وتحديثه، حينما تعين الناس على الفهم وتساعدهم على تطوير وعيهم بالأشياء من حولهم.

  حينما دخلت إلى مبنى التلفزيون، سنة 2014تذكرت أول مرة زرتها فيها. كان ذلك سنة 1987. كنت يومها في سنتى الأولى من التعليم الجامعي. حينما استدعاني الصحفي محمد ولد الخرشي في برنامج كان يقدمه بعنوان : " نادي المواهب". كان مبنى التلفزيون بسيطا جدا، ووسائلها الفنية في منتهى البساطة والندرة. ولكن المادة الإعلامية يومها كانت في غاية الجودة. - من يدرى فلعل عامل الندرة يشجع على الإبداع- أو ربما كان الشغف بالمهنة والتفاني فيها أحد أسرار النجاح، أو ربما عوامل أخرى غابت عني ساعتها ، ولكنني وعيتها إجمالا،  حينما دخلت إلى التلفزة الموريتانية سنة 2014 ناجحا في مسابقة ،أجرتها القناة بقصد ضخ – " دماء جديدة في قناة الموريتانية-".

  كنت قبل هذه المسابقة مديرا لبرامج قناة الساحل، التي استقلت منها طواعية  بعد مجهود كبير، كلفني الكثير من الوقت والصبر والمال، ظنا منى أنه بالإمكان صناعة إعلام جيد ، مما بات يعرف في أيامنا هذه: ب" أزمة الإعلام الخاص". وقد استشرفت هذه الأزمة سنة 2014، فآثرت الخروج من قناة الساحل بصمت ، قبل أن  يتهاوى كل شيء ونحن في غمرة الحلم.

  وبعد قناة الساحل عدت إلى إذاعة موريتانيا التي كنت أول من أنتج فيها برنامجا خاصا عن الصحة النفسية تحت عنوان:" مرافئ نفسية". والذي أوقفه مدير البرامج ساعتها:" محمد ولد عابدين" لا لشيء سوى أنني انتقلت من قطاع البرامج إلى قطاع " إذاعة الشباب" لحرصي على أن أبلور مع الزملاء مشروع إذاعة للشباب، تأخذ بأيديهم في طرق وعرة وخطيرة. – وقد قلت للرجل ساعتها :-" دع البرنامج فجمهوره عريض وأنا مستعد لتقديمه مجانا-". لكنه أصر على توقيفه. والغريب أن جمهورالبرنامج لا زال يسأل عنه إلى اليوم. ثم عرضت على إدارة الإذاعة تقديم برنامجي كرسي السيرة، وبرنامج ديوان الستة . في قناة المحظرة، وظللت أقدم البرنامجين، حتى التحقت بالتلفزة تركتهما رغبة في العمل بالقناة وحدها. ورغم ذلك خسرت الأولى ولم أكسب الثانية.

 

 المهم دخلت قناة الموريتانية صحبة ما يقارب الخمسة والعشرين من الشباب الناجحين في المسابقة. ولم يبق من هذا العدد إلى ثمانية أنا تاسعهم. مع أن الذين  اختفوا باستغناء التلفزة عنهم،  استبدلوا بمتعاونات جدد تسربن إلى قناة الموريتانية بعد خواء التلفزيونات الخاصة على عروشها. رغم أننا لا زلنا ننتظر تصحيح وضعيتنا إلى اليوم. ورغم كل ما دار بين مجموعتي والإدارة العامة للتلفزة، فقد كنت حريصا على أن تسلم يدي ولساني من كل ذلك. ليس تزلفا للإدارة على حساب زملائي، ولكن ترفعا عن سفاسف الأمور، مما لا يليق بي فقط.

 التقيت  المديرة العامة لقناة الموريتانية بداية دخولى إلى القناة، فاقترحت عليها إنتاج مسلسلات محلية بتمويل من القناة. وافقت –مشكورة على الفكرة- وبدأنا العمل، كان إنتاجنا متواضعا للغاية ، لكنها ظلت –جزاها الله خيرا مهتمة بهذا العمل وكنت –وزميلي المخرج الرائع باب ولد ميني – واثقين بأن القادم سوف يكون أحسن وأفضل ، وهو ما تحقق بالفعل من خلال أكثر من سبعة مسلسلات أنتجناها للموريتانية خلال سنتين فقط.

وفي هذا السياق لا يفوتني أن أنوه بالدور الكبير الذي لعبه الزميل تقي الله الأدهم في هذا السياق.

كنت أقدم لقناة الموريتانية برنامج " ما رأيكم " طيلة السنتين ونصف "  من تاريخ هذا المقال. لكن البرنامج التلفزيوني يموت من تلقاء نفسه إذا عُمرَ سنتين. ولذلك يجب أن يتغير شكلا ومضمونا، وذلك ما لم يحصل. فتركته. وقد كنت أقدم هذا البرنامج في ظروف فنية سيئة للغاية من حيث الإستديو والإضاءة والمقاعد  وأشياء أخرى.

 تملك قناة الموريتانية  استديوهين آخرين كبيرين، لكنهما محتكران للخاصة. ففي الوقت الذي تبتلع المقاعد المتهالكة ضيوفي في برنامج " ما رأيكم" تكون هذه الإستديوهات الكبيرة  - جيدة الإضاءة والمقاعد- مغلقة في انتظار برنامج أسبوعي يقدمه أحد مديري القناة. أية مهنية هذه، وهل يتمايز الصحفيون فيما يقدمونه للمشاهد من خلال مكانتهم الإدارية؟ أليس الصحفي خادما للمشاهد أيا كان ومهما كان؟ أليست وسائل التلفزة كلها مقتناة ، لمصلحة المشاهد وما يقدم للمشاهد.؟

أجرت المديرة العامة  لقناة الموريتانية تعيينات شاملة، واستحدثت فيها أكثر من قطاع  ومصلحة ،وقسم. ولم يكن معظم هذه التعيينات إلا لمساعدة أهلها بعلاوات ومهمات تعينهم في معاشهم اليومي.بدليل أن معظمهم لا يحضر إلى التلفزة أصلا فيما يتقاضى راتبه وعلاوات تعيينه، في الوقت الذي يكون مشغولا فيه بعمله  الخاص. ولم تستثني السيدة المديرة أحدا إلا قليلا ممن حرموا من هذه التعيينات، وكنت أنا من الذين حرموا,  وما زلت حتى اليوم أتساءل عن السبب في ذلك.

أهي وشاية من حاقد، أم أن الذين لا يستخدمون حروف الوساطة كلها، لا يجدون من يفكر في كفاءاتهم ، ولا في صبرهم، ولا يراعي فيهم أنفتهم عن سفاسف الأمور مما يتفشى ويكثر في قناة الموريتانية للأسف الشديد.

 

ظللت في قطاع الإنتاج ، يتخطفني الإهمال والنبذ إلى اليوم. وما تزيدني الأيام إلا يقينا بأن القادم لن يكون أحسن مما مضى، خاصة حينما يئست من مقابلة المديرة العامة للتلفزة.

  حيث كنت في كل مرة أسعى فيها لمقابلتها أحظى بقول المحيطين بها :" المديرة في اجتماع، المديرة في مهمة، المديرة لا تريد مقابلة أحد". فعزفت عن ذلك وآثرت أن أحترم نفسي ، خاصة وأن ربي عودني على أن يصلح لي ما فسد من أمري بلا واسطة من أحد من خلقه. " ومن يتوكل على الله فهو حسبه .إن الله بالغ أمره. قد جعل الله لكل شيء قدرا.".

  أنا لست :" مقطوعا من شجرة" فلى علاقاتي ولي وسائل كثيرة أستطيع استخدامها ، ولكنني مؤمن بأن مؤسسة تعمل على تحديث بلد، وتسعى إلى ترقية العقول و بناء الوعي اللازم للمرحلة، حرية بأن تستخدم لهذا الأمر أهله، أماَ  وأن تظل كما كانت، وتغلق أبوابها في وجوه كفاءاتها، فتلك مسألة فيها نظرْ.

 ربما ليس للمديرة العامة للتلفزة يد في هذا، فقد يكون المحيطون بها ممن يمكرون بالناس،خلقوا لديها انطباعا سيئا عني ، فوقعت في خطإ من سوء تقديرها لما يصلها. ولكن ذلك لا يخرجها من نطاق المسؤولية، لأنه حرية  بها أن تتروى وتنظر إلى مؤسستها  وتديرها بما يطورها، لا بما يصد الناس عنها، ويفسد حالها.

وفي انتظار أن يتبين العكس، لا زال الظلم يحاصرني.

أحمد محمود العتيق . كاتب صحفي

يتبع...