نجحت موريتانيا في القمة إلى القمة وسقطت "الموريتانية" إلى الدرك الأسفل

أربعاء, 07/04/2018 - 11:37

 

إيمانا مني بمبدأ : "لا أحد فوق الانتقاد ,ولا حصانة لمؤسسة عمومية ضد الاتهام والمساءلة" فقد ارتأيتُ من باب تبرئة الضمير وقول ما أراه حقا أن أسجل ملاحظات سريعة تتعلق بالقمة الافريقية التي احتضنتها عاصمة بلادنا وانتهت قبل يومين.

لقد كان قرار رئيس الجمهورية السيد/ محمد ولد عبد العزيز بدعوة القادة الافارقة لعقد قمتهم الحادية والثلاثين في موريتانيا ـ في نظر الكثيرين ـ قرارا أقرب الى الانتحار السياسي المؤدي للفشل الذريع أو الوقوع في مأزق كبير قد يصعب الخروج منه ,لكن الرجل واجهَ التحدي بالتحدي ,كما واجهه من قبل في القمة العربية ,وقد كسب الرهان في القمتين وأثبت قدرة موريتانيا والموريتانيين على تجاوز كل الصعاب والعقبات.

إن ثمانية أشهر لا تكفي لإنجاز بئر ارتوازية في عمق الصحراء ,لكنها كانت كافية بالنسبة للموريتانيين لتشييد قصور وفنادق وطرق معبدة وإنارة شوارع وإقامة مشاريع ضخمة أظهرت للعالم كله وللافارقة أن لنا عزيمة لا تلين ,عزيمة تقهر المستحيل وتجعله سهلا ممكنا ,فكانت السلطات في سباق محموم مع الزمن كسبت رهانه في نهاية المطاف.

 وتهيئة لظروف مناسبة ترقى لمستوى الحدث في نهاية تلك المدة الزمنية المحدودة ,وفرت الدولة كل ما من شأنه الاسهام في إنجاح تلك المهمة, فكان كل شيء مرتبا ومحكما : تنظيما وتجهيزا ,فتم توفير كل الوسائل المادية واللوجستية التي تضمن النجاح المتكامل للقمة وإبرازها بما يليق بالمجهودات الجبارة التي بُذلت في سبيل ذلك ,ولعل أبرز ما يلفت الانتباه هو الاجراءات الامنية الرائعة والراقية التي تم توفيرها للقمة في هدوء وسلاسة ,والتي راهن البعض على وهَنها لعدم جاهزية قواتنا وقوات أمننا للقيام بها في نظره ,لكن الواقع أثبت خطأ رهاناتهم.

إذن ,انتهت القمة بنجاح فاق كل التوقعات وفي أجواء مرضية ,من حيث قراراتها وتوافق قادتها على معظم جدول أعمالها ,وخرجت موريتانيا مرة أخرى بنجاحات دبلوماسية تضاف إلى أخرى سبقتها ,حيث استقبلت بلادنا في هذه القمة ما يزيد على ستين وفدا إفريقيا ودوليا لأول مرة ,فضلا عن عشرات الاعلاميين والمراقبين الذين جاءوا من كل فج عميق ليشهدوا حدثا هاما في ظل تحديات إقليمية ودولية بالغة الصعوبة.

لكننا , وبعد انتهاء القمة لا بد لنا من وقفة مع الذات للنظر فيما حدث من أخطاء وتقصير من أجل تجنبها في المستقبل وتكميل النقص إن وجد.

لا شك أن عملا جبارا قد قيم به كما أسلفت,من لدن عمال النظافة إلى رئاسة القمة مرورا بالاجهزة والطواقم العديدة التي تم تسخيرها وإمدادها بالوسائل اللازمة للمساهمة في إنجاح القمة وإبرازها بما يليق بمستوى الحدث ,إلا أن ما يلفت الانتباه حقا هو المستوى السيئ الذي ظهرت عليه قناة "الموريتانية" , أو على الاقل في اليوم الاول من أيام القمة ,حيث كانت الانظار مشدودة ومركزة على الموريتانية بشكل خاص,لكنها خذلتنا وخذلت كل المشاهدين ,فكان من المدهش بل والمخجل أن تفشل القناة في مواكبة ونقل حدث بهذه الاهمية وإخراجه بالشكل المناسب ,رغم الامكانات الهائلة التي وضعت تحت تصرفها ,فنحن كمشاهدين غير مطلعين على الامور الفنية والتقنية التي قد تكون السبب وراء هذا النقل الرديء محبطون جدا مما حدث ومستاءون.

لقد شعرنا بالفخر والاعتزاز وعبرنا عن ذلك من خلال كتاباتنا عندما تمت الاشادة "بقناة الموريتانية" في ذكرى عيد الاستقلال السابع والخمسين في كيهيدي العام الماضي ,حيث كان لأداء الاعلامي المخضرم تقي الله الادهم وطاقم القناة الاثر البارز في نقل الفعاليات التي واكبت الاحتفالات المخلدة للعيد المجيد بحرفية ومهنية وتقنية عالية ,لكن سقوط القناة وتهاويها ورداءة نقلها في القمة الافريقية كان "كالسيئة التي تجب ما قبلها"

لقد لاحظت مع كثيرين غيري ـ وأنا أتسمر أمام الشاشة ـ رداءة الصور المباشرة وانقطاعها المتكرر وعدم نقل الترجمة الحية لكلمات الزعماء الذين تناوبوا على منصة الخطابة ,ولولا وجود إعلاميين أكفاء في الاستديوهات المركزية يحاولون ترقيع الخلل ,وإصلاح  الاخطاء ,وتكملة النقص ,لسقطت قناة الموريتانية من أعين المشاهدين ,إن لم تكن قد سقطت بالفعل من القلوب والعيون إلى الدرك الاسفل.

 

ومع كل الاخطاء القاتلة التي وقعت فيها الموريتانية ,حاولتُ في البداية أن أجد لها العذر ـ وأنا ممن يلتمسون الاعذار عادة للجميع ـ لكن ضخامة الحدث وأهميته والاستعدادات الجيدة "والبروفات" المتكررة التي كان يفترض في القناة القيام بها منذ وقت مبكر لم يتركوا لي المجال في إيجاد مسوغ أو مبرر لتقبل ما حصل , وليس كل ذلك إلا غيرة مني على مؤسسة أعتز بها وأعتبرها رمزا من رموز السيادة الوطنية ,تماما كشقيقتها الاذاعة العمومية.

لقد ساءني كثيرا كما ساء غيري ما ظهرت عليه "الموريتانية" من ضعف ووَهَن ,خاصة في النقل الحي خلال هذه القمة على عكس القنوات الاجنبية التي كانت على المستوى : أداء ونقلا وترجمة ,فمَن يتحمل مسؤولية ما حدث ,ومَن يحاسبهم عن تلك الاخطاء "القاتلة" في ظل انعدام وزارة للاعلام تراقب وتحاسب؟

لا يجب أن يمر هذا الحدث الفاضح مرور الكرام دون مساءلة أو محاسبة ,فلو كنا في دولة أخرى لقدّم كل المسؤولين عن القناة استقالتهم ,تحملا منهم للمسؤولية الاخلاقية والادبية ,فضلا عن المسؤولية المباشرة ,لكننا لا ننتظر أن يحدث ذلك لأننا ببساطة في موريتانيا.!!

 

محمد محمود محمد الامين