تعقيب على مقال: "أدلة على وجود علاقة بين نواكشوط والقاعدة"

اثنين, 16/07/2018 - 14:12

طالعت في عدد من الصحف الإلكترونية الفرنسية والمالية مقالا تحت عنوان "الإرهاب: أدلة على علاقة بين نواكشوط والقاعدة ببلاد المغرب الإسلامي".
 (Terrorisme: Des preuves de connexion entre Nouakchott et AQMI)، موقع باسم " Jean Pierre James"
أود بداية وبداهة أن أوضح أنني لست بصدد نفي أو تأكيد النتيجة التي توصل إليها كاتب المقال، وجزم من خلالها بوجود علاقة بين نواكشوط والقاعدة ببلاد المغرب الإسلامي، بقدر ما تهمني قراءة الأدلة التي ساقها والمعلومات التي قدمها، ومحاولة استقراء أبعادها وخلفياتها على ضوء معطيات الواقع، وأحداث الماضي القريب.
فقد تصورت للوهلة الأولى عند قراءة العنوان أن في الأمر سبقا صحفيا سيكشف صحابه حقائق مسلمة لا شية فيها، وأنه سيضع بين يدي القراء أدلة قاطعة على وجود علاقة بين طرفي معادلة العنوان، غير أنه مع التوغل في المقال اتضح أن الكاتب يؤسس فرضيته، على مؤشر واحد، هو عدم تدخل موريتانيا في الحرب الدائرة في مالي، وساق أحداثا أراد من وراءها تعزيز فرضيته أو حكمه الاستنتاجي، وأول تلك الأدلة ما سماه وصول "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" (GSPC) إلى مالي قادمة من موريتانيا، قبل أن يصبح اسمها "تنظيم القاعدة ببلاد المغرب الإسلامي" (AQMI)، وهنا يبدو أن كتاب المقال لم يكلف نفسه عناء البحث في تاريخ هذه الجماعة، وإلا كان على علم بكونها جماعة جزائرية المنشأ والمنطلق، وأن صحراء مالي كانت أول أرض غير جزائرية يصلها عناصرها، بل لعلم إن المقاتلين "الجهاديين" في الجزائر، اكتشفوا حالة التسيب والفوضى وغياب السلطة في مناطق صحراء أزواد (شمال مالي) منذ عام 1994، قبل تأسيس "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" بأربعة أعوام، واتخذوا منها ومن صحراء النيجر مسرحا لأنشطة التدريب والتسليح وتهريب المؤونة والسلاح إلى العمق الجزائري، وكان تنظيمهم يومها يحمل اسم "الجماعة الإسلامية المسلحة" (GIA)، غير أنه في منتصف عام 2000 ـ بعد تأسيس "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" بعامين ـ قرر أمير منطقة الصحراء في تلك الجماعة، "المختار بلمختار" الاستقرار مع عدد من عناصره في صحراء شمال مالي، واتخذوها قاعدة خلفية لتدريب وتأهيل المقاتلين، وشراء السلاح وتهريبه إلى الجزائر، واستقبلوا في تلك الصحراء، مبعوث زعيم تنظيم القاعدة "أسامة بن لادن" إلى الصحراء، "أبو محمد اليماني" سنة 2001، حيث أقام زهاء تسعة أشهر متنقلا بين المعسكرات والجبال والصحاري داخل "الأراضي المالية"، التي وصلها قادما من النيجر، وفي سنة 2003 دخل قائد المنطقة الخامسة في الجماعة السلفية للدعوة والقتال "عبد الرزاق البارا" إلى الأراضي المالية مصحوبا بأكثر من ثلاثين رهينة من دول أوربية، اختطفهم من جنوب الجزائر، ووصلته أموال الفدية مقابل إخلاء سبيلهم قادمة من باماكو عبر سيارات رباعية الدفع، ومنذ ذلك التاريخ اتخذت جماعته من "الشمالي المالي" موطنا لها حتى اليوم.
وفي "الأراضي المالية" كذلك استقبل قادة "الجماعة السلفية للدعوة والقتال"، "يونس" وهو المبعوث الثاني لأسامة بن لادن إلى "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" سنة 2006، التي وصلها أيضا عن طريق باماكو قادما من طهران، وهو يحمل معه شروط قبول "بن لادن" لبيعة الجماعة وانضمامها إلى القاعدة، وتغيير اسمها ليصبح "قاعدة الجهاد ببلاد المغرب الإسلامي"، وفي "الأراضي المالية" ولدت "إمارة الصحراء الكبرى" التابعة للقاعدة بعد أن وصل قادتها وعناصرها إلى "شمال مالي" قادمين من الجزائر، وأصبحت أكبر فرع للتنظيم، وفيها ـ أي الأراضي المالية ـ تأسست الكتائب والسرايا التابعة للقاعدة وتوسعت وتشعبت، مثل كتيبة "الملثمون" و"كتيبة طارق بن زياد"، و"سرية الفرقان" و"سرية الأنصار" و"سرية القدس" و"سرية يوسف بن تاشفين"، وفيها تأسست "جماعة التوحيد والجهاد في غرب إفريقيا" على يد عناصر وقادة من المواطنين الماليين، وكذلك "جماعة أنصار الدين" التي أسسها أيضا قادة ومسلحون ممن تعتبرهم مالي مواطنين متمردين على سلطتها، وقبل سنوات تأسست في وسط مالي "كتائب تحرير ماسينا" المشكلة من مسلحين ينتمون لقبائل "الفلان" المالية، والقادمين من قرى الاضطهاد والظلم في موبتي ونمبالا، وسائر مناطق الوسط المالي، وعلى تلك "الأراضي المالية" اتخذت الجماعات الجهادية مخابئ للرهائن الذين اختطفهم من مالي ودول المنطقة، ومنها انطلقت كل العمليات التي نفذتها "الجماعة" داخل الأراضي الموريتانية خلال الفترة ما بين 2005 و2011، وفيها استقبلت القاعدة ومن قبلها الجماعة السلفية للدعوة والقتال، أفواج المقاتلين النيجريين من جماعة "بوكو حرام" وتم تدريبهم على الأراضي المالية قبل إعادة إرسالهم إلى موطنهم.
هذه مجرد نماذج فاتت على كاتب المقال معرفتها، أو نسي استطرادها، قبل الحديث عن قدوم "الجماعة السلفية للدعوة والقتال" من موريتانيا إلى مالي، واعتبار ذلك أحد الأدلة على تبرير العلاقة المفترضة.

موريتانيا والحرب في مالي
أما الدليل الثاني الذي ساقه كاتب المقال على وجود العلاقة بين نواكشوط والقاعدة، فهو مشاركة موريتانيا في قوات حفظ السلام الدولية في وسط إفريقيا، ورفضها المشاركة في قوات حظ السلام الدولية في مالي، ولعل الكاتب غفل عن جملة حقائق تتعلق بالوضع الداخلي المالي، والعلاقة الموريتانية المالية الحساسة، بحكم الجوار الجغرافي والتداخل الديمغرافي والتآصر الاجتماعي، خصوصا في مناطق التوتر والنزاع بوسط وشمال مالي، فالأزمة العنيفة في شمال مالي متعددة الأوجه ومتشابكة الخلفيات، ولم يكن الصراع بين باماكو والحركات الجهادية يوم قدوم القوات الدولية إليها سنة 2013، بأخف حينها من صراعها مع من تعتبرهم مواطنيها المتمردين في الشمال، وهو الصراع الذي ولد مع ميلاد الدولة المالية مطلع ستينيات القرن الماضي وظل قائما حتى خرجت مالي من منطقة أزواد بشكل كامل سنة 2012، بعد هزيمة جيشها على يد مسلحين من منطقة أزواد، قدموا من داخل مالي (بعضهم كانوا ضباطا وجنودا في الجيش المالي) ومن ليبيا بعد سقوط نظام القذافي، ثم ع

محمد محمود ابو المعالي