السياسة بطعم "الماضوية" الآثمة/الولي سيدي هيبه

سبت, 10/02/2018 - 10:57

المتتبع بحياد و موضوعية للحالة السياسية في البلد لا بد أن تسترعي انتباهه حالة اليأس الواضحة لدى كل أحزاب المعارضة إلا من أتى "الواقعية" القسرية بـ"قلب سليم" من الطموحات المفرطة و وقف عند عتبة الرّضا بالتمتع بالبقاء في حيز الوجود، و حالة الإحباط المزمنة لدى أكثر أحزاب الأغلبية من الدرجتين الثالثة و الرابعة بحساب ضعف الربح من قيمة "المشتهى" الأصلي في الانخراط و التأييد و الولاء.

 

و إنه هكذا يتكشف المُعطى الماثل على أرضية الواقع و المنطق القائم الذي تفرضه الحالة السياسية العامة بما يعتريها من:

 

·        ضعف النضج رغم التجربة الحزبية منذ ما قبل الاستقلال في البلد و قد تجاوز عمرها أزيد من سبعة عقود،

·        و شدة التقوقع و الانحسار في عقلية اجتماعية استعصى تغييرُها على أصحابها أو بالأحرى هم من يجعلونها بإرادتهم عصيّة على الالتحام بالمفهوم الحضاري للعمل السياسي البناء في سياقات الحداثة، و إبقاءً متعمدا منهم على وضعية "السيبة" و تقسيماتها القبلية و الطبقية و الشرائحية.

 

فالتنظيمات السياسية بأسمائها التي تبدو ملتحمة بمفاهيمية الحداثة و اعتبارات الدولة المركزية في قالب الجمهورية و بأطرها التنظيمية المتسامية على ما سوى "المواطنة" - ذاك الخيار العالمي في كل القارات - لا تستجيب، على النقيض من ذلك، في واقع حال البلد إلا لعقلية الماضي بكل ملمحيته و تراكمات حمله المتعارضة في الجزئيات و الكليات مع مضامين و سياقات و توجهات العصر و علاماته المتحررة من تسلط الأفراد و من ثوابته و مقاصده كذلك؛ ضدان متنافيان يَعني استحكام أي منهما انتفاء الآخر.

فعلاوة على كون أغلب الأحزاب القوية بالإجماع أحزاب "مشخصنة" بأيدي أفراد يوجهونها حيثما يريدون بحسب مزاجيتهم يثيبون فيها أهل الولاء و يطردون منها أهل البراء و الجفاء حتى باتت تُعرف بأسماء أصحاب من رخصوا لها، لا بأسمائها القانونية لتسجل أنشطتها في مضمار النفعية و الانتهازية و الصراع على السلطة مطمعا و هدفا و غاية دون الوطن و مواطنيه إلا أن يكون هؤلاء مَطية لكِبرهم "السيباتي" و تمردهم الداخلي على النظام و رفضهم الضمني و عدائهم السلوكي الممنهج للعدالة بين الجميع.

 

كما لن يفوت المتتبع المهتم ما هو ماثل للعيان من ضعف مردودِ جُملة أحزابِ الأغلبية ميدانيا و الحزب الحاكم، بالتململات الداخلية فيه و الصدمات خارجه، دون الجهاز التنفيذي للدولة من خلال نشاط وزرائه السياسي فوق مهامهم الوزارية البحتة على خلفية الانتماء له في المبتدأ و الوصول منه إلى الكرسي الوزاري ثوابا و تتْويجا.

 

و ما بين أغلبية تساق بطمعها و استاتيكية "غياب الخطاب" و ضعف العمق الجماهيري لديها و تقوقعها وراء اعتبارات المنظومة الاجتماعية الراسية في صلب "الماضوية" الآسنة و مسلكياتها الحاملة كل مساوئ التناقض السلبي، و بين  و معارضة بنفس الخلفية الاجتماعية و ذات ضعف الخطاب السياسي و غياب البرامج العملية و المحفزات النضالية و الحضور الجماهيري الكثيف، يمر البلد بحالة من الفراغ السياسي - الغير المثمر - و تزداد بضعف الغياب عن وجهة السياسة الأولى و الأخيرة في البناء و نشر العدالة و تبوء مكان أمين في مصاف الأمم.

 

فهل تأخذ السياسة في البلد وجهها الصحيح و لا يخوض غمارها إلا كل وطني جدير وراءه كم غفير من الجماهير و بجعبته من حب الوطن الكثير ينثرة في كل أرجائه حراكا ميمونا و خطابا مقنعا مسموعا و عدلا مرفوعا و عملا ميدانيا ملموسا و بُعدا عمليا عن مثالب عقلية الماضي "التقسيمية" للمجتمع بين رفيع و وضيع و مقدم و مؤخر؟